شِفرة الحَرَّة - الجزء الرابع والأخير: كشف الأمانة وختام الشفرة | مغامرات وتاريخ

 لقراءة الأجزاء السابقة: 
- شِفرة الحَرَّة - الجزء الأول: سر المخطوطة. 
- شِفرة الحَرَّة - الجزء الثاني: رحلة في الأرض السوداء.
- شِفرة الحَرَّة - الجزء الثالث: همسات الأرض العطشى.

الفصل الأول: سباق مع الفجر: 

كان الليل يلملم آخر خيوطه الداكنة، وبدأ خيط فضي رفيع يرسم حدود الأفق الشرقي، معلنًا قرب بزوغ الفجر. تسارع نبض صالح وهو يلهث، يتشبث بصخور "جبل العطشان" الحادة والباردة. كل عضلة في جسده كانت تئن من الإرهاق، لكن الأمل في كشف "أمانة" الزبير الكناني كان وقودًا يدفعه للأمام. خلفه، وعلى مسافة ليست ببعيدة، كان يسمع أصوات ملاحقيه، أنفاسهم المتعبة ووقع أقدامهم المتعثرة، يقتربون شيئًا فشيئًا.

أدرك صالح أنهم سيصلون إليه لا محالة إذا استمر في هذا الصعود المباشر والمرهق. نظر حوله بسرعة، ف لمح شقًا ضيقًا بين كتلتين صخريتين عملاقتين، يبدو كأنه مدخل لممر خفي. كانت مجازفة، لكنها فرصته الوحيدة.

صالح يتسلق منحدرًا صخريًا لجبل بركاني عند الفجر، مع ظهور ضوء الشمس الأول في الأفق.

الفصل الثاني: المواجهة الأخيرة:

انزلق صالح داخل الشق الصخري، ليجد نفسه في ممر ضيق بالكاد يتسع لجسده. تقدم بحذر، مستعينًا بيديه وقدميه، حتى وجد تجويفًا صغيرًا سمح له بالاستدارة ومراقبة مدخل الممر. لم يطل انتظاره، فبعد دقائق ظهر رأس أحد الملاحقين يتفحص المكان، ثم تبعه الآخران. كانوا يتحدثون بصوت منخفض، وبدا عليهم الغضب والإرهاق.

قال أحدهم، وكان أضخمهم بنية وصوته أجش: "أقسم أنه دخل من هنا! لا مكان آخر ليذهب إليه." رد الثاني، وكان نحيلاً ويبدو أكثرهم دهاءً: "اهدأ يا جابر، الصخور هنا خادعة. قد يكون كمن لنا."

في تلك اللحظة، قرر صالح أن المواجهة حتمية، وأن عنصر المفاجأة قد يكون في صالحه. جمع آخر ما تبقى من قوته، وعندما اقترب "جابر" من التجويف الذي يختبئ فيه، دفعه صالح بكل ما أوتي من قوة مستغلاً ضيق الممر. تعثر جابر وارتطم رأسه بالصخرة المقابلة، فسقط فاقدًا للوعي. الملاحقان الآخران، اللذان كانا خلفه مباشرة في الممر الضيق، وجدا نفسيهما محاصرين بجسد رفيقهما الساقط.

استغل صالح هذه الفرصة، واندفع خارجًا من فتحة أخرى في نهاية الممر لم يلاحظوها، ثم دحرج صخرة كبيرة كانت على حافة الممر، فسدت المدخل بشكل شبه كامل، محتجزًا الاثنين الآخرين بالداخل مع رفيقهما المصاب. لم يسمع سوى صرخاتهم الغاضبة والمكتومة. لم يكن لديه وقت للتأكد من مصيرهم، فالشمس قد بدأت ترسل أولى أشعتها الذهبية فوق قمم الحَرَّة.

الفصل الثالث: على قمة العطشان:

واصل صالح صعوده المتسارع نحو ما ظن أنها قمة "جبل العطشان". كلما ارتفع، كلما أصبح الهواء أكثر نقاءً وبرودة. وأخيرًا، بعد جهد جهيد، وصل إلى هضبة صغيرة مستوية قرب القمة. لم تكن القمة الفعلية، بل كانت أشبه بشرفة طبيعية تطل على منظر مهيب للحَرَّة الممتدة تحته.

في وسط هذه الهضبة، كان هناك بناء حجري غريب لم تذكره أي من الخرائط. كان عبارة عن دائرة من الحجارة الضخمة المرتبة بدقة، وفي مركزها نصب حجري أسطواني الشكل، لا يتجاوز ارتفاعه المتر الواحد. على سطحه العلوي المستوي، كانت هناك نقوش دقيقة ومعقدة.

اقترب صالح بحذر، وأزال الغبار المتراكم عن النصب. كانت النقوش عبارة عن خريطة مصغرة للنجوم، تتوسطها النجمة الثمانية التي أصبحت مألوفة لديه. ولاحظ أن هناك ثقوبًا صغيرة محفورة عند مواقع معينة للنجوم في هذه الخريطة الحجرية، أحدها عند مركز النجمة الثمانية.

تذكر القطعة المعدنية الصغيرة ذات الطرف المدبب التي كانت جزءًا من الشفرة الأصلية. أخرجها من حقيبته، وقارنها بالثقوب. كانت تتلاءم تمامًا مع الثقب الموجود في مركز النجمة الثمانية. عندما أدخلها في الثقب، سمع صوت طقطقة خافتة قادمة من باطن الأرض، وكأن آلية قديمة قد تحررت.

صالح يقف أمام نصب حجري أسطواني عليه نقوش نجمية، ويقوم بإدخال قطعة معدنية في ثقب وسطه، على قمة جبل يطل على الحَرَّة.

الفصل الرابع: كشف الأمانة:

   للحظات، لم يحدث شيء. ثم، ببطء شديد، بدأ جزء من الأرضية الصخرية أمام النصب الحجري بالانزياح إلى الجانب، كاشفًا عن فتحة مظلمة تؤدي إلى أسفل، ودرج حجري ضيق ينحدر إلى المجهول. تردد صالح للحظة، ثم أشعل مصباحه الصغير، وخطا أولى خطواته إلى باطن "جبل العطشان".

كان الدرج يقوده إلى غرفة صغيرة مربعة الشكل، منحوتة بالكامل في الصخر الصلد. لم يكن هناك ذهب أو كنوز بالمعنى التقليدي. بل كانت الجدران الأربعة مغطاة بالكامل برفوف حجرية، تصطف عليها عشرات، بل مئات، من اللفائف الجلدية القديمة، محفوظة بعناية فائقة. وفي وسط الغرفة، كان هناك منضدة حجرية، عليها مخطوطة واحدة مفتوحة، كأن الزبير الكناني نفسه قد تركها للتو.

اقترب صالح من المخطوطة المفتوحة. كانت مكتوبة بخط عربي قديم وأنيق، وبحبر بدا وكأنه لم يجف بعد. كانت مقدمة لكتاب ضخم في علم الفلك والرياضيات، يتضمن نظريات وحسابات لم يسبق لصالح أن رأى لها مثيلاً في أي من الكتب التي درسها. لقد كانت معرفة متقدمة جدًا عن عصر الزبير الكناني، معرفة لو كُشف عنها في حينها، لربما غيرت مجرى التاريخ العلمي.

هذه كانت "أمانة" الزبير الكناني. ليست كنزًا ماديًا، بل كنز من العلم والمعرفة، إرث فكري عظيم خبأه بعيدًا عن أعين الجهل والتعصب، ليحفظه لمن يستطيع الوصول إليه وفهمه وتقديره.

الفصل الخامس: إرث الزبير: 

   جلس صالح على الأرض، مأخوذًا بما رأى. قضى ساعات يقلب في بعض اللفائف بحذر، كل واحدة منها كانت تكشف عن فصل جديد من فصول عبقرية الزبير الكناني. أدرك الآن لماذا كانت الشفرة معقدة، ولماذا كان الوصول إلى هذا المكان يتطلب كل هذا العناء. لم يكن الأمر يتعلق بإخفاء كنز، بل بحماية إرث، واختبار من يسعى إليه.

شعر صالح بثقل المسؤولية على عاتقه. هذه المعرفة يجب ألا تضيع مرة أخرى. فكر في جده، وفي شغفه بالعلم الذي ورثه إياه. والآن، هو المؤتمن على هذا الكنز الفكري.

مع شروق شمس اليوم الجديد بشكل كامل، اتخذ صالح قراره. سيقوم بفهرسة هذه اللفائف وتوثيقها قدر استطاعته، ثم سيعمل على نقلها بحذر إلى مكان آمن، ربما بالتعاون مع جهات علمية موثوقة تقدر قيمتها الحقيقية. لن يسمح لهذا النور أن ينطفئ مرة أخرى في ظلمات الحَرَّة.

خرج صالح من الغرفة السرية، وأعاد إغلاق الفتحة بنفس الآلية. نظر إلى الحَرَّة الممتدة أمامه، والتي لم تعد تبدو له مجرد أرض قاحلة، بل حافظة لأسرار عريقة. رحلته الشاقة قد انتهت، لكن رحلة جديدة قد بدأت للتو: رحلة الحفاظ على إرث الزبير الكناني وتقديمه للعالم.


(نهاية القصة)

   لقد قادت الشفرات والنجوم صالح في رحلة ملحمية عبر تضاريس الحَرَّة القاسية، واجه فيها المخاطر وتغلب على منافسيه، ليكتشف في النهاية أن "أمانة" الزبير الكناني لم تكن سوى مكتبة زاخرة بالعلوم والمعارف النادرة التي سبقت عصرها. لقد أثبت صالح جدارته بحمل هذه المسؤولية، واختتمت رحلته بكشف أعظم كنز، وهو نور العلم الذي لا يفنى، تاركًا إرث الزبير الكناني بين يديه ليبدأ فصلًا جديدًا من الحفاظ عليه ونشره.

مدونة السطر التالي..! https://theneextline.blogspot.com

تعليقات