ظل في الأرشيف - الجزء الأول: الاختلال الرقمي | قصة غموض وجريمة رقمية

صورة ليلى، أخصائية أرشيف شابة، تعمل بتركيز على حاسوب يعرض وثائق قديمة في غرفة أرشيف حديثة.

الفصل الأول: هدوء ما قبل الخلل: 

   كانت رائحة الورق القديم الخافتة، الممزوجة ببرودة هواء التكييف الثابتة، هي أول ما يستقبل "ليلى" كل صباح في "دار المحفوظات الوطنية". لم تكن مجرد وظيفة بالنسبة لها؛ كانت شغفًا، رحلة يومية عبر أزمنة لم تعشها، من خلال عيون وكلمات من سبقوها. بصفتها أخصائية أرشيف رقمي، كانت مهمتها هي الجسر بين الماضي الهش والحاضر الرقمي الخالد... أو هكذا كانت تظن.

جلست أمام شاشتها العملاقة، أصابعها تتحرك بخفة ودقة على لوحة المفاتيح، تقارن، تفهرس، وتتأكد من سلامة آلاف الوثائق والصور التي يتم رقمنتها يوميًا. كانت تعمل منذ أسابيع على مجموعة خاصة تتعلق بالدكتور عز الدين الراوي، المؤرخ والأكاديمي البارز الذي اختفى في ظروف غامضة في أوائل الثمانينيات، تاركًا وراءه إرثًا من الجدل وعلامات استفهام بحجم تاريخ أمة بأكملها.


الفصل الثاني: همسات في البيكسلات: 

   في ذلك اليوم، وبينما كانت تتفحص صورة جماعية قديمة من مؤتمر حضره الدكتور الراوي قبل اختفائه بفترة وجيزة، لاحظت شيئًا غريبًا. الصورة، بالأبيض والأسود، كانت باهتة قليلًا بفعل الزمن، لكن أحد الوجوه في الصف الثاني بدا مشوهًا بشكل غير طبيعي. لم يكن مجرد عدم وضوح، بل كان أشبه بثقب رقمي، بقعة من البيكسلات المضطربة حيث كان يجب أن يكون وجه رجل يرتدي نظارة سميكة.

"غريب... خطأ في المسح الضوئي ربما؟" تمتمت ليلى لنفسها، مسجلة ملاحظة في ملف الصورة الرقمي لوضع علامة "يحتاج مراجعة". لكن الأمر تكرر. بعد ساعات قليلة، وفي رسالة ممسوحة ضوئيًا بخط يد الدكتور الراوي، بدا أن كلمة رئيسية قد تم تغييرها بمهارة، حرف واحد مختلف، لكنه يغير سياق الفقرة بأكملها. ثم صورة أخرى من نفس الملف، التُقطت في حديقة منزله، تظهر ظلًا لشخص بجواره لا يتطابق مع أي من أفراد عائلته المعروفين، والظل نفسه يبدو مقطوعًا بحدة عند الحافة كأن جزءًا من الصورة قد مُحي.

شعرت ليلى بقشعريرة خفيفة. ثلاثة أخطاء "تقنية" في نفس الملف الحساس؟ صدفة؟ أبلغت مشرفها، الأستاذ فارس، رجل خمسيني تقليدي يثق بالورق أكثر من البيكسلات. استمع إليها ببرود، ثم أرجع الأمر إلى قدم الأجهزة المستخدمة في الرقمنة الأولية قبل سنوات. "ضعي علامات عليها يا ليلى، وسنراجعها لاحقًا عندما يسمح الوقت. لا تشغلي بالكِ كثيرًا، هذه الملفات القديمة مليئة بالمشاكل."


الفصل الثالث: أصداء الماضي: 

   لم تستطع ليلى أن "لا تشغل بالها". شيء ما في نمط هذه الأخطاء بدا مقصودًا. لماذا تتركز كلها في ملف الدكتور الراوي؟ ولماذا تبدو وكأنها تمحو أجزاءً دقيقة وحساسة من تاريخه؟ في المساء، وبعد انتهاء دوامها، بدأت تبحث بنفسها في القضية الأصلية. قرأت مقالات قديمة، اطلعت على النزر القليل المتاح من وثائق التحقيق التي لم تُصنف سرية. اختفاء بلا أثر، شائعات عن تورطه في أمور سياسية، نظريات لم يتم إثباتها قط. كلما قرأت أكثر، زاد يقينها بأن التشوهات الرقمية لم تكن مجرد ضوضاء في النظام.


الفصل الرابع: البصمة الزمنية الخفية: 

   عادت ليلى إلى الصورة الأولى، تلك التي تحوي الوجه المشوه. لم تكن مجرد صورة ممسوحة ضوئيًا، بل نسخة عالية الدقة تم تمريرها عبر برامج تحسين ومعالجة متعددة على مر السنين داخل الأرشيف. وبدافع من فضول لا يمكن كبحه، فتحت نافذة البيانات الوصفية (Metadata) للصورة. معلومات عن تاريخ المسح، نوع الكاميرا الأصلية، إعدادات الألوان... ثم، في حقل مخصص لتعليقات المعالجة الداخلية، وجدت شيئًا لم يكن من المفترض أن يكون هناك: بصمة زمنية (Timestamp) لتعديل تم قبل ثلاثة أشهر فقط، مصحوبة بتعليق مشفر مقتضب: "المرحلة 1 - تطهير الظل".

وجه ليلى عن قرب يظهر عليه الصدمة والإدراك وهي تنظر إلى شاشة الحاسوب في غرفة معتمة

تجمدت ليلى في مكانها. ثلاثة أشهر؟ هذا حديث جدًا! و"تطهير الظل"؟ ما هذا الهراء؟ لم يكن خللاً تقنيًا قديمًا. لم يكن خطأً في المسح الضوئي. كان الأمر مقصودًا، ومستمرًا، ويحدث الآن. شخص ما، لسبب مجهول، يعبث عمدًا بذاكرة الأمة الرقمية، ويستخدم أرشيفها كأداة لمحو أجزاء من الماضي. والسؤال المرعب الذي قفز إلى ذهنها كان: لماذا؟ وماذا سيحدث لها الآن بعد أن اكتشفت ظلهم في الأرشيف؟

شَعرتْ ببرودة لم تَعرفْها من قبل تتسلل إلى الغرفة الهادئة المليئة بأشباح الماضي الرقمية. لم يعد الأرشيف مكانًا آمنًا للمعرفة، بل مسرح جريمة محتمل، وهي للتو عثرت على أول دليل... أو ربما، أول خيط في فخ منصوب بعناية.


(نهاية الجزء الأول)

[>> لقراءة الجزء الثاني: خيوط الماضي (انقر هنا)]


مدونة السطر التالي..! https://theneextline.blogspot.com

تعليقات