بُستان المُرّ - الجزء الثالث: الدرب الخفي | أسرار طريق البخور

 لقراءة الأجزاء السابقة:

الفصل التاسع: مفترق الدروب: 

   وصلت قافلة البخور الضخمة أخيرًا إلى "محطة النجمة"، وهي واحة كبيرة تعتبر نقطة تفرع رئيسية على طريق البخور. هنا، كان المسار التجاري الرئيسي يتجه جنوبًا بشكل مباشر نحو ممالك اللبان المزدهرة. لكن الخريطة التي فك زيد رموزها الآن بوضوح، كانت تشير إلى اتجاه مختلف تمامًا: نحو الشرق، عبر سلسلة جبال وعرة وحادة تُعرف باسم "عمود الثعبان الفقري"، منطقة قاحلة ومجهولة يُشاع أنها موطن لقبائل "بني سماء" المراوغة والمستقلة، التي لا تدين بالولاء لأحد وتعتبر تلك الأراضي ملكًا لها وحدها.

وقف زيد يتأمل الأفق الشرقي المترب، يشعر بمزيج من الإثارة والخوف. أمان القافلة وحشدها، رغم المخاطر الداخلية، كان شيئًا ملموسًا. أما المسار الجديد فكان قفزة نحو المجهول المطلق. هل يستحق سر "بستان المرّ" هذه المخاطرة الهائلة؟ تذكر همسات جده المحتضر، لمعان عينيه وهو يتحدث عن "الحياة" الكامنة في ذلك المكان الأسطوري. لم يعد الأمر مجرد فضول أو رغبة في المغامرة، لقد أصبح أشبه بواجب أو قدر. اتخذ قراره. تحدث أولاً مع ليلى، ثم مع فريد، كاشفًا لهما بحذر عن اتجاهه الجديد وعزمه على ترك القافلة عند الفجر.

زيد وليلى وفريد يغادرون القافلة سراً عند الفجر، متجهين نحو منطقة صحراوية وعرة

الفصل العاشر: رفقة المخاطرة: 

   كان رد فعل ليلى مفاجئًا وسريعًا. "أراض بني سماء؟ يقولون إنها تحوي أعشابًا ونباتات لا تنبت في أي مكان آخر، وإن حكماءهم يعرفون أسرار الأرض والماء. كنت أفكر في استكشاف أطرافها على أي حال. إذا كنت ذاهبًا إلى هناك، فسآتي معك. معرفتي قد تفيدك." لم تظهر أي تردد، وكأنها كانت تنتظر هذه الفرصة.

أما فريد، فقد نظر إلى زيد طويلاً بنظرته الفاحصة، ثم هز رأسه ببطء. "قائد القافلة أصبح جشعًا أعمى بعد الهجوم الأخير، يرفض حتى تعويض أسر الحراس الذين سقطوا. لم يعد يهمني حماية بضاعة رجل لا يحترم رجاله." ثم نظر نحو الجبال الوعرة. "هذه الدروب خطرة يا فتى، وتحتاج إلى من يعرف كيف يقرأ الريح والصخر... وكيف يتعامل مع أهلها. سآتي معكم، ليس من أجلك فقط، بل لأنني أشم رائحة شيء أهم من البخور في رحلتك هذه."

قبل بزوغ الفجر، وبينما كانت القافلة لا تزال غارقة في النوم، انسل الثلاثة مع جملين محملين بالماء والمؤن الأساسية، مبتعدين عن المسار الرئيسي، متجهين شرقًا نحو المجهول. لم يدركوا أن جابر، مساعد القائد، الذي لم ينم جيدًا تلك الليلة بسبب شكوكه المتزايدة حول زيد، قد لمح أطيافهم تبتعد في ضوء الفجر الباهت، وأرسل اثنين من رجاله المتعقبين المهرة لمتابعتهم عن بعد.

المجموعة الصغيرة تتنقل بحذر عبر ممر جبلي ضيق ووعر في منطقة القبائل المعزولة

الفصل الحادي عشر: اختبارات الحراس: 

   كانت أرض بني سماء مختلفة تمامًا عن الصحراء المفتوحة التي اعتادوها. ممرات جبلية ضيقة، متاهات صخرية، ووديان جافة وعميقة. المياه شحيحة للغاية، والصمت مطبق ومريب. لم يروا أي أثر لحياة بشرية لأيام، لكنهم شعروا بأنهم مراقبون. وجدوا علامات غريبة مكدسة من الحجارة عند مفترقات الطرق، أو رموزًا بسيطة منحوتة على الصخور بدت وكأنها تحذيرات أو توجيهات بلغة غير مفهومة.

"إنهم يختبروننا،" قال فريد بصوت خافت في إحدى الليالي. "يريدون أن يعرفوا إن كنا نحترم المكان أم جئنا للنهب والتدمير." أثبتت ليلى قيمتها بمعرفتها بالنباتات الصحراوية القليلة التي يمكن استخدامها كطعام أو دواء، وبتحديدها لمصادر مياه صغيرة ومخفية اعتمدت عليها الحيوانات البرية. بينما استخدم زيد مهارته في قراءة التضاريس لتجنب الرمال المتحركة والممرات المسدودة. أما فريد، فكان يترك دائمًا جزءًا صغيرًا من الماء أو التمر عند الآبار التي يجدونها كعلامة احترام لأهل المكان.

في اليوم الخامس، وبينما كانوا يستريحون في ظل كهف صغير، ظهر أمامهم ثلاثة رجال طوال القامة، يرتدون ملابس بسيطة بلون الرمال، ويحملون رماحًا طويلة، ملامحهم صارمة ونظراتهم ثاقبة. لم يتكلموا، فقط وقفوا يراقبونهم. تقدم فريد بهدوء، ووضع سلاحه على الأرض، وتحدث بلغة بدوية قديمة وباحترام شديد، موضحًا أنهم مجرد مسافرين يبحثون عن ممر آمن عبر الجبال، وأنهم يحترمون أرض بني سماء وحكمتها. بعد صمت طويل، أشار أحد الرجال إلى درب ضيق لم يلاحظوه من قبل، ثم اختفوا بالسرعة التي ظهروا بها. لم يكن اختبارًا بالمعنى التقليدي، بل كان تقييمًا صامتًا للنوايا والاحترام. لقد سمحوا لهم بالمرور... للمرحلة التالية.

مواجهة متوترة بين فريق زيد وجابر ورجاله في منطقة صخرية وعرة.

الفصل الثاني عشر: المفتاح الأخير: 

   قادتهم التعليمات الصامتة لرجال القبائل عبر ممرات أكثر وعورة، حتى وصلوا أخيرًا إلى بئر قديمة جدًا، جوانبها مغطاة بنقوش نجوم وكواكب لم يرها زيد من قبل. كانت الخريطة تشير بوضوح إلى هذا المكان كنقطة أخيرة. لكن كيف يتم الدخول إلى البستان المزعوم؟ لم يكن هناك أي مدخل واضح.

وبينما كانوا يتفحصون المكان بحيرة، سمعوا صوتًا مألوفًا وبغيضًا خلفهم. "كنت أعلم أنك تخفي شيئًا ثمينًا أيها النحات!" كان جابر ومعه ثلاثة من رجاله الأشداء، يبدو أنهم نجحوا في تتبعهم. "سلمنا الخريطة وما وجدتموه، وسنترككم لحالكم... ربما."

لم يكن أمامهم خيار سوى المواجهة. استغل فريد خبرته القتالية، بينما استخدمت ليلى معرفتها بالأعشاب لصنع مسحوق سريع سبب عمى مؤقتًا لأحد المهاجمين، وفاجأ زيد الجميع بقوته الهائلة عندما استخدم مطرقة جيولوجية صغيرة كان يحملها لصد هجوم جابر نفسه. لم تكن معركة سهلة، لكنهم تمكنوا من صد المهاجمين وإجبارهم على التراجع مؤقتًا، وإن كان جابر قد توعدهم بالعودة.

زيد يشير إلى نجم معين يتوافق مع معلم صخري، كاشفاً عن الدليل الأخير لموقع البستان
بعد أن هدأت الأمور قليلاً، ومع حلول الليل، عادت ليلى لتتفحص نقوش البئر على ضوء النجوم. لاحظت أن أحد النقوش يصور نفس النجم الذي أشار إليه جدهم – "النجم الذي لا يغيب". وفي لحظة إلهام، تتبع زيد اتجاه النجم في السماء، ثم نظر إلى البئر، ليرى أن ضوء النجم الساطع، عند تلك الزاوية المحددة، يسقط على حجر معين في جدار البئر الداخلي لم يكن ملحوظًا من قبل. بجهد مشترك، تمكنوا من دفع الحجر للداخل، ليكتشفوا فتحة ضيقة ومظلمة خلفه، ينبعث منها تيار هواء بارد ورائحة تراب رطب وعطر غريب وغير مألوف... رائحة تشبه المرّ، ولكنها أقوى وأنقى بما لا يقاس. لقد وجدوا المدخل أخيرًا.


(نهاية الجزء الثالث)

   بعد تجاوز مخاطر الصحراء واختبارات الحراس وصد المنافسين، وصل زيد ورفاقه أخيرًا إلى عتبة "بُستان المرّ" الأسطوري. لقد وجدوا الدرب الخفي والمفتاح الأخير. لكن ماذا ينتظرهم خلف هذه الفتحة المظلمة؟ وهل سيكون البستان كما تخيلوه؟ وهل انتهت المخاطر حقًا أم أن أعظمها لم يأت بعد؟ الإثارة تصل ذروتها في انتظار الجزء الأخير...

[>> لقراءة الجزء الرابع والأخير: بستان المرّ (اضغط هنا)]


مدونة السطر التالي..! https://theneextline.blogspot.com

تعليقات