لقراءة الجزء السابق:
الفصل الخامس: غضب الرمال:
بعد أسابيع من السير الرتيب تحت الشمس الحارقة، تغيرت الصحراء فجأة. لم تعد مجرد رمال وحجارة صامتة، بل أصبحت وحشًا هائجًا. بدأت الرياح تعوي بشكل مخيف، وحملت معها غبارًا أحمر كثيفًا حجب الشمس وحوّل النهار إلى ليل مُغبَر. ثم ظهر في الأفق جدار بني هائل، يرتفع مئات الأمتار في السماء، يلتهم الأفق ويتقدم نحوهم بسرعة مرعبة – الهبوب، عاصفة الرمال العظيمة التي يخشاها كل مسافر في الصحراء.
دبت الفوضى في القافلة. الجمال المضطربة تجمح، والرجال يصرخون محاولين السيطرة عليها وتغطية وجوههم من الرمال الخانقة التي لسعت الجلد واخترقت الأقمشة. انعدمت الرؤية تقريبًا، واندفعت الرياح بقوة كادت تقتلع الخيام المؤقتة. شعر زيد بالاختناق والخوف وهو يتشبث بجمل مذعور. في تلك اللحظة، تذكر همسات جده عن كيفية نجاة البدو من الهبوب بالبحث عن تشكيلات صخرية معينة توفر ملجأً مؤقتًا، وتذكر رمزًا على خريطته بدا مطابقًا لوصف جده لهذه الصخور. بصعوبة بالغة، وفي وسط الفوضى، تمكن من تمييز معالم تلك الصخور في الأفق المغبر، وبدأ يوجه جمله نحوها، صارخًا لمن حوله ليتبعوه. انضم إليه عدد قليل، منهم فريد الذي كان يحاول تجميع بعض الحراس التائهين، وليلى التي كانت تتمسك بزمام جمالها المحملة بالتوابل الثمينة. احتموا خلف الصخور الضخمة بالكاد، بينما مرت العاصفة فوقهم كأنها نهاية العالم، تاركة وراءها قافلة مبعثرة وخسائر لم تُحصر بعد. لم ينقذ زيد الجميع، لكن شجاعته ومعرفته الغريبة لم تمر دون أن يلاحظها أحد، خاصة جابر، مساعد قائد القافلة، الذي نظر إليه الآن بشك أعمق.
الفصل السادس: همسات في الواحة:
بعد يومين من تجميع شتات القافلة ومعالجة الجرحى، وصلوا أخيرًا إلى واحة كبيرة كانت بمثابة محطة رئيسية على طريق البخور. كانت الواحة تعج بالحياة، خليط من التجار والمسافرين والبدو وسكان الواحة الأصليين. استغل زيد فترة الاستراحة الطويلة ليحاول جمع المزيد من المعلومات بحذر. اقترب من بعض التجار البدو المسنين، سائلاً عن أساطير النجوم أو عن معاني بعض الرموز التي رآها على خريطته، متظاهرًا بأنه مهتم بالتاريخ المحلي. حصل على بعض الإجابات الغامضة والمقلقة عن أماكن "مسكونة" أو "محمية بأرواح الصحراء".
قرر أيضًا أن يخاطر بالاقتراب من ليلى. وجدها تتفحص بعض الأعشاب الطبية النادرة لدى بائع محلي. بادرها بالحديث عن النباتات، ثم انتقل بحذر ليسألها عن معرفتها بالدروب الجنوبية غير المطروقة. لم تكشف ليلى الكثير، لكنها أبدت معرفة واسعة بالقبائل الجنوبية وأساطيرها، وألمحت إلى وجود "حدائق سرية" في الصحراء تحوي نباتات ذات قوى استثنائية، وأن الوصول إليها يتطلب أكثر من مجرد خريطة. شعر زيد بأنها قد تكون حليفًا محتملاً، لكنه لم يشاركها سره بالكامل بعد. في تلك الأثناء، ناداه فريد جانبًا. "لقد رأيت شجاعتك في العاصفة يا فتى،" قال بنبرة تحمل احترامًا حذرًا، "لكنك تثير الكثير من الأسئلة وتلفت الانتباه. كن حذرًا، فالصحراء تبتلع الفضوليين، وكذلك يفعل بعض الرجال في هذه القافلة." أدرك زيد أن فريد قد يكون حاميًا، لكنه أيضًا مراقب دقيق.
الفصل السابع: نياب الليل:
لم تدم فترة الراحة طويلاً. في الليلة الثالثة بعد مغادرتهم الواحة، وبينما كانت القافلة تخيم في وادٍ ضيق، انقض عليهم قطاع طرق بأعداد كبيرة وكأنهم يعرفون موقعهم تمامًا. كان الهجوم عنيفًا ومنظمًا بشكل غير معتاد. اشتعلت النيران، وتعالت الصرخات وصليل السيوف. وجد زيد نفسه في قلب المعركة، يدافع عن نفسه بقوة مستخدمًا عصا غليظة كان يحملها. أنقذته بنيته القوية التي اكتسبها من سنوات العمل في الحجر، وتمكن من صد أكثر من مهاجم. لاحظ أن الهجوم لم يكن عشوائيًا تمامًا؛ بدا أن بعض المهاجمين يحاولون الوصول إلى جمال معينة محملة بالبضائع الأثمن، بينما حاول آخرون، ومن بينهم رجلان لمح زيد أنهما من رجال جابر مساعد القائد، الاقتراب منه هو شخصيًا في خضم الفوضى، كأنهم يريدون اختطافه أو سرقة ما معه. تدخل فريد ورجاله في الوقت المناسب، وتمكنوا من صد الهجوم بعد معركة دامية وخسائر في الأرواح والبضائع. شكوك زيد حول جابر تعمقت، وأدرك أن الخطر القادم من داخل القافلة قد يكون أشد من قطاع طرق الصحراء.
الفصل الثامن: الخريطة تتكلم:
بعد الهجوم، أصبحت الأجواء في القافلة مشحونة بالتوتر والخوف. أدرك زيد أنه لم يعد يستطيع الانتظار، يجب أن يفهم خريطته بشكل أفضل وأسرع. قرر أن يخاطر ويكشف جزءًا صغيرًا من سره لليلى وفريد، اللذين أظهرا بعض الثقة أو على الأقل عدم العداء. في ليلة هادئة، وتحت ذريعة مناقشة أمن القافلة، عرض عليهم جزءًا من الرموز الأكثر تعقيدًا على خريطته، دون الكشف عن أسطورة البستان نفسها، مدعيًا أنها تتعلق بإرث عائلي قديم.
أتت المخاطرة بثمارها. تعرفت ليلى فورًا على أحد الرموز كعلامة فلكية قديمة كانت تستخدمها القبائل في جنوب الجزيرة لتحديد أوقات الرياح الموسمية، وربطتها برمز نباتي آخر على الخريطة، مشيرة إلى أنهما معًا قد يدلان على "وقت ومكان الماء المخفي". بينما نظر فريد إلى الخطوط التي تمثل الدروب، وأشار إلى تقاطع طرق منسي ولكنه خطير يمر عبر سلسلة جبال وعرة تُعرف محليًا باسم "عمود الثعبان الفقري"، مؤكدًا أن القوافل الكبيرة تتجنبها لكن المسافرين المنفردين قد يسلكونها كاختصار إذا عرفوا آبارها السرية.
بتجميع هذه المعلومات – العلامة الفلكية، رمز الماء المخفي، وممر "عمود الثعبان الفقري" – فهم زيد المرحلة التالية من رحلته بوضوح أكبر. لم تكن وجهة مباشرة، بل مسارًا صعبًا ومحددًا يتطلب معرفة ودقة وشجاعة. وبينما كان يشعر بنشوة الاكتشاف، لمح عن بعد عيني جابر تراقبهما في الظلام. لقد أدرك مساعد القائد الآن أن خريطة زيد ليست مجرد قطعة جلد قديمة، بل هي مفتاح لشيء ثمين بما يكفي ليخاطر الشاب بحياته من أجله. لقد أصبحت الخريطة تتكلم، لكن همساتها وصلت أيضًا إلى آذان الأعداء.
(نهاية الجزء الثاني)
لقد نجا زيد من غضب الصحراء ونياب الليل، وبدأ في كسب حلفاء وفك رموز خريطته الغامضة التي كشفت عن مسار خطير نحو المجهول. لكن مع كل خطوة يقترب فيها من هدفه، تزداد المخاطر من حوله، خاصة من داخل القافلة نفسها. هل سيقرر زيد ترك القافلة والمضي في دربه الخفي؟ ومن سيرافقه في هذه المغامرة المحفوفة بالمخاطر؟ الأسرار تتكشف، والمواجهات القادمة أصبحت حتمية...
[>> لقراءة الجزء الثالث: الدرب الخفي (اضغط هنا)]
مدونة السطر التالي..!
%20fills%20t.jpeg)


