"تفتح مدونة 'السطر التالي..!' اليوم بوابة نحو المستقبل البعيد والأسرار الدفينة تحته... نقدم لكم الفصل الأول من رحلتنا الجديدة في عالم الخيال العلمي والفانتازيا: 'صدى البلّور'."
الفصل الأول: مدينة السراب:
"مدينة السراب المستقبلي"، لم يكن اسمها مجرد تسمية شاعرية، بل كان وصفًا دقيقًا لتحفة الهندسة والاستدامة التي بزغت من رحم الصحراء العربية. بُنيت بعد أن جعل التغير المناخي الحاد مدن الساحل القديمة غير صالحة للحياة، لتكون نموذجًا للتعايش بين التقدم التكنولوجي الهائل واحترام البيئة الهشة. ناطحات سحاب بيضاء انسيابية تعانق السماء، مزينة بحدائق عمودية خضراء وشاشات عرض تفاعلية عملاقة، وشبكة معقدة من مسارات المركبات الكهرومغناطيسية الصامتة تنساب بينها برشاقة. كل شيء في المدينة كان مُدارًا بواسطة "النواة"، الذكاء الاصطناعي المركزي فائق التطور الذي ينظم تدفق الطاقة من مصفوفات الطاقة الشمسية وحقول توربينات الرياح العملاقة، ويحافظ على التوازن البيئي الدقيق ويُسيّر حياة الملايين بكفاءة شبه مثالية.
في قلب هذا النظام المعقد، وفي أحد مختبرات الأبحاث المتقدمة، كانت تجلس الدكتورة أروى العلي أمام شاشاتها المتعددة. عالمة فيزياء أثرية ولغويات كونية، مجال جمع بين شغفها بالتاريخ القديم والبحث عن أنماط غير مفسرة في الكون. كانت تعتبر شخصية لامعة ولكنها مهمشة إلى حد ما؛ فبينما كان زملاؤها يركزون على تطوير الذكاء الاصطناعي أو استكشاف الموارد في حزام الكويكبات، كانت هي تطارد "أصداءً" غريبة – إشارات راديوية متقطعة من أعماق الفضاء، أو أنماط طاقة شاذة مسجلة في طبقات الأرض الجيولوجية العميقة – كانت تؤمن بأنها بقايا حضارات أو ظواهر طبيعية تتجاوز فهم الفيزياء الحالية. كانت مثل عالم آثار يستمع لهمسات الماضي السحيق عبر تلسكوبات الراديو ومجسات الأعماق.
الفصل الثاني: الصدع في العمق:
في أحد قطاعات المدينة الجنوبية، كان العمل يجري على قدم وساق في مشروع "شريان الطاقة" الجديد، الذي يهدف إلى حفر آبار عميقة للوصول إلى مصادر الطاقة الحرارية الجوفية. استخدمت آلات حفر بلازمية متطورة، قادرة على اختراق أصلب الصخور. وفجأة، توقفت الآلة الرئيسية عن العمل مع انطلاق أجهزة الإنذار. أظهرت قراءات المجسات أن الحفار لم يصطدم بطبقة صخرية متوقعة، بل اخترق فراغًا غير متوقع على عمق لم يسبق الوصول إليه من قبل.
أُرسلت طائرات درون استكشافية صغيرة عبر الفتحة، وعادت بصور أذهلت المهندسين وفريق الأمن: غرفة واسعة ذات جدران ملساء ومصقولة كأنها زجاج بركاني أسود، تنتشر فيها تكوينات بلورية ضخمة ذات ألوان باهتة، ولا يوجد أي أثر لكونها من صنع الإنسان أو نتيجة عملية جيولوجية معروفة. والأكثر إثارة للقلق، بدأت أجهزة الاستشعار في الموقع تسجل قراءات طاقة غريبة ومنخفضة التردد تنبعث من الغرفة، طاقة لا تتطابق مع أي نمط معروف.
وصل رئيس أمن قطاع الطاقة، طارق الهاشم، إلى الموقع بسرعة. رجل عملي، صارم، لا يؤمن إلا بالحقائق المثبتة والمخاطر المحسوبة. أُعجبته التقارير الأولية، وأمر فورًا بإيقاف جميع عمليات الحفر في المنطقة المحيطة وتأمين الموقع وفرض تعتيم إعلامي. كان أول ما يهمه هو احتواء أي خطر محتمل على استقرار شبكة طاقة المدينة أو سلامة العمال. بدأت في تلك الليلة أولى الأعطال التقنية الطفيفة في الظهور في المباني القريبة من موقع الحفر – وميض في الإضاءة الذكية، بطء في استجابة الروبوتات الخدمية، تشويش قصير في الشبكات المحلية. بالنسبة لطارق، كانت هذه إشارة خطر واضحة.
الفصل الثالث: غرفة البلّور:
بعد يومين من التحليلات غير الحاسمة من قبل فرق الفيزياء والجيولوجيا، ومع استمرار الأعطال التقنية الطفيفة، وبسبب طبيعة الطاقة "غير المألوفة"، تم استدعاء الدكتورة أروى على مضض، باعتبارها الخبيرة الوحيدة المتاحة التي تتعامل مع "الظواهر الطاقية الشاذة". شعرت أروى بمزيج من الإثارة والترقب؛ هل يمكن أن يكون هذا هو "الصدى" الذي كانت تبحث عنه طويلاً، ليس في الفضاء البعيد، بل هنا، تحت أقدامهم؟
ارتدت بزة واقية خفيفة ونزلت مع فريق صغير عبر نفق الوصول المؤقت إلى الغرفة المكتشفة. ما رأته فاق كل تصوراتها. كانت الغرفة شاسعة وهادئة بشكل مهيب. الجدران لم تكن صخرية، بل بدت كمادة عضوية متحجرة أو بنية بلورية معقدة ذات أنماط هندسية دقيقة ومتكررة. تنتشر في أرجائها بلورات ضخمة، بعضها بحجم سيارة صغيرة، تتوهج بضوء داخلي خافت ومتغير الألوان. الهواء كان نقيًا وباردًا، وكان هناك إحساس غريب بالطاقة يتردد في المكان، ليس كإشعاع خطر، بل كحضور حي ونائم. لم تكن هناك أي نقوش أو أدوات أو أي دليل على وجود "صانع" بالمعنى التقليدي. بدا الأمر وكأن الغرفة والبلورات جزء طبيعي من الكوكب، ولكنه ينتمي لزمن سحيق وقوانين فيزيائية مختلفة.
بينما كانت تتفحص المكان بذهول، أخبرها أحد أفراد الفريق المرافق بأن بعض العمال الذين عملوا قرب الفتحة أبلغوا عن رؤية أحلام جماعية حية وغريبة في الليلة السابقة، أحلام عن محيطات شاسعة تحت الأرض أو سماع موسيقى هندسية معقدة. تجاهل طارق هذه التقارير باعتبارها نتيجة للضغط أو الإرهاق، لكن أروى شعرت بأنها قد تكون مرتبطة بالطاقة المنبعثة من الغرفة.
الفصل الرابع: الصدى الأول:
عادت أروى إلى مختبرها المؤقت في الموقع، عقلها يعج بالنظريات والاحتمالات. رفضت السماح بأخذ عينات مباشرة من البلورات أو الجدران كما كان يطالب طارق، مصرة على أن أي تدخل فيزيائي قد يكون له عواقب وخيمة وغير متوقعة على هذا النظام غير المفهوم. بدلاً من ذلك، ركزت على التحليل عن بعد، مستخدمة أجهزة استشعار متطورة لقياس وتحليل حقل الطاقة المنبعث من الغرفة بدقة متناهية.
بدأت بإرسال نبضات منخفضة الطاقة بأنماط مختلفة – موجات صوتية بترددات معينة، أنماط ضوئية بسيطة، سلاسل رياضية أولية. في البداية، لم تكن هناك استجابة واضحة. لكن عندما جربت نمطًا يعتمد على النسبة الذهبية (Golden Ratio)، وهو نمط يتكرر كثيرًا في الطبيعة، لاحظت شيئًا مذهلاً على شاشاتها: حقل الطاقة داخل الغرفة بدأ يتذبذب بشكل متزامن ومنظم مع النمط المرسل. لم تكن استجابة عشوائية، بل كانت أشبه بصدى معقد، كأن شيئًا ما في الغرفة "يستمع" ويتفاعل.
كررت التجربة بأنماط أخرى مستوحاة من هياكل بلورية معروفة ومن ترددات طبيعية، وفي كل مرة كانت تحصل على استجابة طفيفة ولكنها قابلة للقياس والتمييز. تأكدت شكوكها؛ هذه ليست مجرد طاقة خام، إنها تحمل معلومات، أو على الأقل، القدرة على التفاعل مع المعلومات المنظمة. هل يمكن أن يكون شكلاً من أشكال الوعي البدائي؟ ذاكرة كوكبية مسجلة في بنية بلورية؟ شبكة طاقة حية؟
أبلغت طارق بنتائجها الأولية بحذر. استمع إليها بغير اقتناع، عيناه تظهران الشك وعدم الصبر. "دكتورة أروى، هذا مثير للاهتمام نظريًا، لكنه لا يغير من حقيقة أن لدينا مصدر طاقة غير معروف وغير مستقر تحت أكبر مصدر للطاقة في المدينة. نحتاج إلى نتائج ملموسة، وإجراءات احتواء فعالة. الوقت ليس في صالح التجارب الفلسفية." أدركت أروى أنها في سباق ليس فقط لكشف سر البلور، بل أيضًا لإقناع المسؤولين بقيمة ما اكتشفته قبل أن يقرروا إسكات هذا "الصدى" القديم إلى الأبد.
(نهاية الجزء الأول)
تم اختراق قشرة المستقبل ليكتشفوا قلبًا نابضًا من الماضي السحيق تحت مدينة السراب. أروى بدأت للتو في فك شيفرة "صدى البلور"، بينما يزداد قلق طارق من المجهول. كيف ستتطور الأمور؟ وما هي طبيعة الوعي النائم الذي تم إيقاظه؟ الغموض يتعمق، والمخاطر تتزايد...
[>> لقراءة الجزء الثاني: الرنين (انقر هنا)]
مدونة السطر التالي..!



